سيد محمد طنطاوي

555

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ويرى بعضهم أن موسى - عليه السلام - صرف فتاه بعد أن التقى بالخضر . أخرج الشيخان عن ابن عباس : أنهما انطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم ، فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول : أي أجر ، « 1 » . وقوله : * ( حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها ) * بيان لما فعله الخضر بالسفينة . أي : فانطلقا يبحثان عن سفينة ، فلما وجداها واستقرا فيها ، ما كان من الخضر إلا أن خرقها . قيل : بأن قلع لوحا من ألواحها . وهنا ما كان من موسى إلا أن قال له على سبيل الاستنكار والتعجب مما فعله : * ( أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها . . ) * . أي : أفعلت ما فعلت لتكون عاقبة الراكبين فيها الغرق والموت بهذه الصورة المؤلمة ؟ * ( لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ) * ، والإمر : الداهية . وأصله كل شيء شديد كبير ، ومنه قولهم : إن القوم قد أمروا . أي : كثروا واشتد شأنهم . ويقال : هذا أمر إمر ، أي : منكر غريب . أي : قال موسى للخضر بعد خرقه للسفينة : لقد جئت شيئا عظيما ، وارتكبت أمرا بالغا في الشناعة . حيث عرضت ركاب السفينة لخطر الغرق . وهنا أجابه الخضر بقوله : * ( أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) * أي : ألم أقل لك سابقا إنك لن تسطيع مصاحبتي ، ولا قدرة لك على السكوت على تصرفاتي التي لا تعرف الحكمة من ورائها ؟ ولكن موسى - عليه السلام - رد معتذرا لما فرط منه وقال : * ( لا تُؤاخِذْنِي ) * أيها العبد الصالح ، بما نسيت ، أي : بسبب نسياني لوصيتك في ترك السؤال والاعتراض حتى يكون لي منك البيان . * ( ولا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ) * أي : ولا تكلفني من أمرى مشقة في صحبتي إياك . يقال : أرهق فلان فلانا . إذا أتعبه وأثقل عليه وحمله مالا يطيقه . والمراد : التمس لي عذرا بسبب النسيان ، ولا تضيق على الأمر ، فإن في هذا التضييق ما يحول بيني وبين الانتفاع بعلمك . وكأن موسى - عليه السلام - الذي اعتزم الصبر وقدم المشيئة ، ورضى بشروط الخضر في

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 335 .